المهدوية

 إعداد: الشيخ غازي عبد الحسن

بسم الله الرحمن الرحيم

مقدمة:

الأدعياء كثر على مر التأريخ، فهناك من ادعى الألوهية، وهناك من ادعى النبوة، وهناك من ادعى الإمامة، وهناك من ادعى المهدوية سواء في عصر الغيبة الصغرى ( محمد بن علي الشلمغاني – أحمد بن هلال الكرخي) أم في عصر الغيبة الكبرى إلى وقتنا الحاضر.
وفي هذه العجالة سأتطرق إلى جماعتين لأقارب بينهما مقاربة تحليلية من حيث المنطلقات والأهداف والتوقيت والجهات التي ترتبط بها.
الجماعة الأولى: جماعة أحمد بن الحسن الكاطع (البصري) المعروفة بجماعة القاطع في العراق – أحمد اسماعيل حسن.
الجماعة الثانية: جماعة عبد الوهاب حسن البصري، المعروفة بجماعة السفارة في البحرين، وتحديدا السفارة في ثوبها الجديد ( أي جمعية التجديد الثقافية الإجتماعية).

 

إطلالة تاريخية على الجماعتين:
جماعة القاطع:
أحمد إسماعيل حسن الكاطع، ولد في أواخر الستينيات من القرن العشرين في البصرة جنوب العراق، وتخرج من كلية الهندسة المدنية ( مرحلة البكلريوس) في البصرة عام1998م، وبعدها ذهب إلى النجف الأشرف في ذات العام، وتقرب من السيد محمد صادق الصدر ( الشهيد الثاني) وأبرز نفسه على أنه أحد خواص تلامذة السيد محمد صادق الصدر.
وكان من تلك الفترة تثار حوله شبهات الإرتباط بحزب البعث الصدامي، وقد تنبأ أحمد إسماعيل القاطع باغتيال السيد محمد صادق الصدر قبل أشهر من شهادته المباركة، وهو ما استدل به البعض على بعثيته وارتباطه بالنظام الصدامي. بل حدد اليوم الذي ستتم فيه عملية الإغتيال في كتابه ( كرامات وغيبيات)، وكان كما قال، لكنها ليست كرامة وعلم بالمغيبات، وإنما دليل إدانة وربما شبهة مشاركة.
بدأ حركته من منطلق الإصلاح ( المنهجي  – العلمي – المالي – الإداري) من خلال دعواه بأنه رأى الإمام المهدي في المنام وأمره بالذهاب إلى الحوزة لإصلاحها، في نفس تلك الفترة التي كان يتحدث فيها نظام البعث عن الفساد في الحوزة وضرورة إصلاحها.
وفي عام (2002م) – هو نفس العام الذي بدأت فيه جمعية التجديد التابعة لبدعة السفارة كما سيتضح- أطلق أحمد الكاطع مع صاحبه ( حيدر مشتت) الدعوة للإنضمام إلى حركة اليماني، من دون تعيين أيهما اليماني في بداية الأمر، وبعدها قبل أحمد أن يشير إلى أن اليماني هو حيدر مشتت، فنشط حيدر مشتت في إدعاء أنه اليماني الموعود الذي سيحكم اليمن.
وجاء حيدر إلى قم المقدسة لينشر دعوته بين طلاب العلوم الدينية في قم المقدسة، فخرج حيدر مشتت مع مجموعة من أنصاره باتجاه مسجد جمكران فاعتقلتهم الشرطة الإيرانية وأبعدتهم إلى العراق، وبعد سقوط نظام صدام عام ( 2003م) عاود حيدر مشتت الدعوة إلى نفسه مستغلا الفراغ السياسي والأمني في العراق.
بعد ذلك حصل خلاف حاد بين أحمد الكاطع وحيدر مشتت ثم اتفقا على أن أحمد الكاطع هو رسول المهدي وحيدر شاهد له على ذلك، وأصدر حيدر مشتت بيانا أعلن فيه عن ذلك.
واستمر هذا الإتفاق سنة واحدة فعاود حيدر مشتت إدعاءه بأنه اليماني الموعود، فاغتاض أحمد الكاطع وأمر صاحبه الآخر ( ناظم العقيلي الذي هو بمثابة الناطق الرسمي للكاطع) بكتابة بيان بعنوان ( سامري عصر الظهور) ويقصد فيه حيدر مشتت وأنه خان البيعة وكفر بعد إيمانه.
وبعدها إدعى أحمد الكاطع أنه سيد من أبناء الإمام المهدي، وكان يختم بياناته بهذه العبارة ( بقية آل محمد عليهم السلام – الركن الشديد أحمد الحسن – وصي ورسول الإمام المهدي عليه السلام إلى الناس أجمعين – المؤيد بجبرائيل المسدد بميكائيل المنصور بإسرافيل – ذرية بعضها من بعض والله سميع عليم)
وفي عام (2008م) في ذكرى عاشوراء حصلت مواجهات بين جماعة الكاطع والقوات الأمنية العراقية في جنوب العراق في مدينتي البصرة والناصرية، وأسفرت المواجهات عن مقتل 50 شخصا وأصابة العشرات من كلا الطرفين، إلى أن تمت السيطرة على الوضع أمنيا، واستطاع أحمد الكاطع الفرار إلى دولة عربية، ويقال بأنه موجود في الإمارات حاليا، علما بأنه لم يظهر إعلاميا، بل يجيب على الإستفتاءات من خلال موقعه الرسمي وبياناته التي يحتمل جدا أن الذي يكتبها هو ناظم العقيلي من خلال المقارنة بين كتابات ناظم العقيلي والبيانات المنسوبة لأحمد الكاطع، حيث الأسلوب والنسق الواحد.
وأيضا ظهر من خلال تسجيلات صوتية على اليوتيوب من دون صورة، وتوجد صورة واحدة فقط يقال أنها له. هذه خلاصة دعواه.

جماعة السفارة:
أسس عبد الوهاب حسن أحمد البصري – من العاصمة المنامة-  ( جماعة السفارة) في البحرين، وذلك في منتصف ثمانينيات القرن العشرين في (سجن جو المركزي) العنبر رقم 2، حيث كان في السجن تياران:
التيار الرسالي ( الجبهة) وتيار حزب الدعوة، وكانت المشاكل على قدم وساق بين هذين التيارين مضافا للفراغ النفسي وأجواء السجن القاسية، حيث استغل عبد الوهاب البصري هذه الأجواء من خلال دعواه أنه يتصل بالسفير الثالث للإمام المهدي ( الحسين بن روح) في المنام، وأنه يتلقى منه الأوامر والنواهي.
وباعتبار تعلمه لفنون الشعوذة والسحر في الهند استطاع أن يؤثر على الكثيرين ممن كانوا في السجن من التيارين، فآمن به بعض وكفر آخرون، ونالهم العذاب الشديد، فربما قبلوا بتلك الدعوة حفاظا على أنفسهم.
وبعد خروجهم من السجن في عام 1986م واجه كبار العلماء هذه الأباطيل بكل قوة – وفي مقدمتهم آية الله الشيخ عيسى قاسم – إلا أن كتب عبد الوهاب البصري بيانا نفى عن نفسه تلك الدعوة وأعلن توبته في مسجد مؤمن بالمنامة، وأمضى على ذلك كبار العلماء بأسمائهم كالسيد جواد الوداعي والشيخ عيسى قاسم والشيخ عبد الأمير الجمري.
وبعد أن هدأ الوضع وانسحب من هذه الجماعة الكثير من الشخصيات وأعلنوا توبتهم، اختفى عبد الوهاب البصري عن الأنظار مع استمراره بالدعوة إلى هذه البدعة بالخفاء والتكتم، إلى أن ظهرت هذه الجماعة في ثوبها الجديد عام (2002م) تحت مسمى ( جمعية التجديد الثقافية والإجتاعية) حيث رأس هذه الجمعية في دورتها الأولى عيسى الشارقي، وهو الشخصية الأبرز حاليا في هذه الجمعية، فهو عضو مؤسس، ويعتبر في نظرهم المنظر والباحث الذي رفد هذه الجمعية بعدة أبحاث تمثل خارطة الطريق لها، من قبيل مشروع ( عندما نطق السراة) ( من هو المسلم) ( نظرات في قانون الأحوال الشخصية) وغيرها.

 

وجوه الإشتراك بين الجماعتين:
الوجه الأول: بداية التأسيس:
ألف: تبلور مشروع أحمد الكاطع عام 1999م، وأعلن عن الحركة اليمانية ودعى للإنضمام إليها عام (2002م).
باء: بدأت السفارة بثوبها الجديد ( جمعية التجديد الثقافية والإجتماعية) عام ( 2002م).
فتوافق الجماعتين في بداية التحرك له دلالات كثيرة، أهمها وحدة المخطط – بالكسر- ووحدة المخطط – بالفتح. إلا أن جماعة الكاطع جمهورها عوام الناس، بينما جماعة السفارة ( جمعية التجديد) جمهورها النخبة والمثقفين، وأيضا النساء، حيث ترى أكثر الحضور في فعاليات الجمعية من النساء، وأيضا التركيز على رياض الأطفال وهي منتشرة - بحد معين-  في البحرين.

الوجه الثاني: الإعتماد على الرؤى والمنامات والأحلام:
ألف: جماعة الكاطع:
يقول الكاطع – بحسب موقعه الإلكتروني- : في ليلة من الليالي حيث كان نائما، فرأى رؤيا في المنام كان فيها الإمام المهدي واقفا بالقرب من ضريح السيد محمد ابن الإمام الهادي عليه السلام في منطقة بلد، وأمره بالحضور للقائه.
فاستيقظ وعاود النوم فرأى تلك الرؤيا مرة أخرى، وبعد يومين من هذه الرؤيا سافر إلى سامراء لزيارة العسكريين وبعدها زار السيد محمد سبع الدجيل، وبعدها الكاظميين وبعدها كربلاء، فالتقى بالإمام المهدي في حرم الإمام الحسين عليه السلام ليلا، وعند الصباح إلتقى به مجددا في مقام المهدي في نهاية شارع السدرة، وجلسا لوحدهما في المقام، وذلك في 30 شعبان سنة 1420ه  أي في عام ( 1999م). وكلفه بدعوة الناس وإصلاح الحوزة العلمية .
باء: جماعة السفارة:
ادعى عبد الوهاب البصري في سجن جو المركزي بأنه يرى الإمام المهدي في المنام لعدة مرات، وبعدها أخبره بأنه لن يأتيه في المنام، بل سيبعث له بالسفير الثالث للإمام المهدي ( الحسين بن روح) في المنام، ليكون حلقة وصل بينه وبين الإمام المهدي، يتلقى الأوامر والنواهي عنه.
وكان يدعي أيضا بأن أخبار السجناء كانت تأتيه من خلال عصفور بعثه له الإمام المهدي اسمه ( فرقد) وهذا العصفور هو الذي ينقل له أخبار السجناء، لدرجة أن السجناء إذا رأوا أي عصفور لاذوا بالصمت.

الوجه الثالث: تزييف الحقائق وتزويرها:
ألف: جماعة القاطع:
ادعى أنه ابن المهدي من خلال تزويره لخبر – على الرغم من ضعفه سندا ودلالة- وهو الخبر الذي جاء في بشارة الإسلام نقلا عن بحار الأنوار عن سطيح الكاهن (( فعندما يظهر ابن المهدي)) – مضاف ومضاف إليه، وحينما نرجع إلى المصدر في بشارة الإسلام نقلا عن بحار الأنوار ج51ص163 (( فعندما يظهر ابن النبي المهدي)) – بدل عن ابن-.

باء: جماعة السفارة:
من خلال متابعة مجلة التجديد من العدد رقم 1 إلى العدد رقم 7 يتبين للمتابع حجم التدليس وتزييف الحقائق، على سبيل المثال في العدد الثاني في عنوان (( نداء السراة ... اختطاف جغرافيا الأنبياء)) نسبوا الأنبياء إلى الجزيرة العربية لتثبيت نظرية ( محورية مكة) التي تعتبر من أساسيات ومرتكزات هذه الجمعية، والمراد من أرض السراة أي الجزيرة العربية، بل حتى نهر الفرات الموجود في العراق نسبوه إلى الجزيرة العربية، بل حتى النبي يوسف عليه السلام قالوا أنه استوطن قرية ( مصر ) وهي من قرى الجزيرة العربية.
وأعتقد بأن هذه المنهجية غرضها تمييع  قضية القدس والمسجد الأقصى، من خلال إبعاد الأنبياء عن تلك البقعة الجغرافية.

الوجه الرابع: تشويه العقيدة المهدوية الخالصة:
فكلتا الجماعتين، قصدتا تشويه هذه العقيدة المهدوية الخالصة التي تزرع الأمل في نفوس المنتظرين، وفي الوقت ذاته تزرع الخوف في قلوب الظالمين، فمن خلال هاتين الجماعتين – وأخواتهما- أراد المخطط والمدبر خلق حالة من النفور عند الناس والإعراض عن العقيدة المهدوية من خلال تصويرها كخرافة ومجرد معتقدات أساسها منامات وأحلام ورؤى.

الوجه الخامس: إلغاء دور المرجعية وعلماء الدين وإضعاف الحوزات العلمية:
 وهذا واضح من خلال متابعة بيانات أحمد الكاطع الذي كفر المراجع العظام وأيضا بيانات جمعية التجديد وبالأخص أدبيات عيسى الشارقي الذي يعتبر المنظر لهذه الجمعية، والذي دأب على النيل من العلماء والمرجيعة والحوزات العلمية.

الوجه السادس: محاصرة الشريان الإقتصادي للطائفة الشيعية المتمثل في ( الخمس):
حيث كثيرا ما يدعي أحمد الكاطع بوجود الفساد المالي في الحوزات العلمية وعند المراجع – ويسمي مرجعيات عظمى بعينها- ويطالب عامة الناس أن يرسلوا إليه الأخماس ليوصلها إلى الإمام المهدي مباشرة.
أيضا جمعية التجديد من خلال أدبياتها تعرضت مرارا للخمس ومصارفه واستثماره بل شككت في بعض أدبياتها في شرعية خمس أرباح المكاسب في عصر الغيبة الكبرى.

الوجه السابع: الترويج للصهيونية ومحاباتها:
ألف: جماعة الكاطع:
شعار الكاطع في بياناته وموقعه وكتبه والمراكز التابعة له نجمة إسرائيل، حتى أثناء قتالهم مع القوات العراقية كانوا يعصبون رؤوسهم بعصابة عليها نجمة إسرائيل.
باء: جماعة السفارة:
في مؤتمر القدس السنوي الثامن بعنوان ( السلام للقدس عاصمة السلام) الذي أقامته حركة التوافق الوطني الإسلامية في الكويت عام (2010م) والذي شارك فيه من جمعية التجديد ( عيسى الشارقي وعباس النجار).
قال عيسى الشارقي في ورقته: (( الحل الشامل والعادل عبارة مخادعة ومضللة، إذ أنها مستحيلة في مثل القضية الفلسطينية)).
وقال صاحبه عباس النجار: (( السلام يحتاج إلى ثقافة ليدفع العداوة ويزيل البغضاء والأحقاد من النفوس، ومهما كانت الأسباب وراء تلك الأحقاد والضغائن، فالسلام بداية لدفعها، والقطيعة مادة لدوامها)).
ونفس موادعة الصهاينة والخنوع لهم والاستسلام واضحة في الكلام.

 

ختاما:
أؤكد لإخواني وأحبتي طلاب العلوم الدينية على ضرورة دراسة ونقد هذه الحركات الفتنوية  التي هي في الواقع مطية الصهيونية العالمية في بلاد المسلمين، زرعت لتمزيق الصف الإسلامي وتمرير مشروع الصهيونية العالمية.
فلابد من تحصين الثغور الثقافية في المجتمع الإسلامي، وترسيخ الثقافة المهدوية الأصيلة، وتأصيل علاقة المجتمع الإيماني بالإمام المنتظر أرواحنا لتراب مقدمه الفداء. 

والحمد لله رب العالمين
15- شعبان-1438
قم المقدسة